في ذكرى وفاته.. "ابن الباشوات" زكي رستم.. صديقه" كلب وولف"
الأربعاء 15/فبراير/2017 - 05:24 م
رودي روشان
كثير من نجوم الفن عاشوا حياة مليئة بالأحزان، وعلى الرغم من ظهور العكس على الشاشة، التي يراهم الجمهور من خلالها، إلا أن حياتهم الشخصية تبدو كمأساة.
ومن أكثر الممثلين الذين تعتبر حياتهم الشخصية فيلمًا يحكي المآسي كان الفنان الراحل زكي رستم، والذي يعتبر من أهم نجوم السينما على مستوى العالم بشهادة النقاد والجمهور، وأيضًا المجلات العالمية، حيث اختارته مجلة "باري ماتش" الفرنسية كواحد من أفضل عشرة ممثلين في العالم، كما وصفته مجلة "لايف" الأمريكية بأنه من أعظم ممثلي الشرق وأنه لا يختلف عن الممثل البريطاني الكبير "تشارلز لوتون".
كانت حياته الخاصة مليئة بالأحزان، حيث عاش وحيدًا طوال حياته ولم يتزوج أو ينجب أطفال ولم يكن له أي أصدقاء سواء في حياته الشخصية أو على مستوى عمله في الوسط الفني حيث كانت علاقته بهم تنتهي فور انتهاء التصوير، ولم يجتمع معهم في أي حفلات أو سهرات حيث كانت لا تستهويه تلك الأشياء.
وفي اواخر عمره أصيب بالصمم وابتعد عن التمثيل الذي كان يعتبره أهم شيئ في حياته، وفي ذكرى رحيله اليوم نسرد لكم بعض الذكريات التي مر بها الفنان الكبير زكي رستم.
ولد "رستم" في قصر يمتلكه جده اللواء محمود باشا رستم في منطقة الحلمية، وكان جده من كبار ضباط الجيش، أما والده محمود بك رستم فكان من كبار ملاك الأراضي الزراعية، ولم يكن في أسرته من يحمل لقب أفندي حيث لقب بـ "ابن الباشوات".
أحب التمثيل منذ صغره وكان يخرج مع مربيته لمشاهدة الموالد وعروض الأراجوز، وعندما كان طالباً في المرحلة الابتدائية كان يذهب مع أسرته لمشاهدة العروض المسرحية التي تقدمها فرقة "جورج أبيض"، وفي أحد المرات شاهد جورج أبيض وهو يؤدي شخصية "أوديب" في مسرحية "أوديب ملكاً".
وعندما عاد لمنزله حاول تقليده ، وكان يجمع أصدقائه وأقاربه ويقوم بالتمثيل أمامهم في بدروم القصر، ولم يكن التمثيل هوايته الوحيدة، إذ كان بطلًا رياضيًا أيضُا في رفع الأثقال، وحصل على بطولة هذه اللعبة عام 1923، وفي العام التالي حصل على شهادة البكالوريا.
وبعد حصوله على البكالوريا، كان من المفترض أن يستكمل دراسته لكلية الحقوق طبقا للتقليد السائد فى العائلات الارستقراطية والتي تربي أبنائها على الالتحاق بالجامعة واستكمال الدراسة بها، ولكن المفاجأة أنه رفض دراسة الحقوق، وأخبر والدته برغبته في التمثيل، ولكن والدته اعترضت بشدة وخيرته بين الفن والعيش معها، فاختار الفن وترك المنزل، وأصيبت الأم بالشلل حزناً على عمل ابنها بالتمثيل.
وجاءت بدايته في التمثيل عن طريق سليمان نجيب الذي كان والده صديقًا لوالد زكي رستم حيث قدمه لـ "عبد الوارث عسر" الذي ساعده في ترتيب لقاء مع جورج أبيض، وعندما رآه طلب منه تأدية مشهد تمثيلي، وفور انتهائه من تأدية المشهد بتفوق واضح، وافق على انضمامه لفرقته، وظل يعمل فيها لمدة سنة ونصف وتعلم خلالها الاندماج الكامل في الشخصية وهو الأسلوب الذي اشتهر به "جورج أبيض".
ورفض "رستم" تقاضي أي أجر خلال هذه الفترة، فكان حبه للتمثيل يجعله سعيدا بممارسة هوايته دون مقابل، رغم أن الأجر المحدد له كان نحو 7 جنيهات، وهو ثروة بمقاييس هذا العصر، وظل يعمل بدون أجر في فرقة "رمسيس" التي انتقل إليها بعد تركه فرقة "جورج أبيض".
وأقنعه "يوسف وهبي" بأهمية الاحتراف وتقاضي أجر، وبالفعل تقاضى أول أجر شهري في حياته 15 جنيها، وكان من الأجور المميزة داخل الفرقة، حيث كان البطل الأول يحصل على 25 جنيها، وبعد عامين من عمله بالفرقة التحق بفرقة "فاطمة رشدي و عزيز عيد"، وكانت محطته المسرحية الأخيرة في "الفرقة القومية".
وكان أهم ما يميزه قدرته العالية على تقمص أي شخصية يقدمها، وفي كثير من الأحيان عندما ينتهي من أداء مشهد معين تتصاعد موجة من التصفيق من جميع الحاضرين، بما فيهم من شاركوه أداء المشهد تعبيرا عن إعجابهم بقدرته العالية على الاندماج مع الدور.
وتحدثت "فاتن حمامة" فى إحدى حواراتها أنها شعرت بالرعب عندما وقفت أمامه في فيلم "نهر الحب" من شدة اندماجه، حيث قالت " رستم يندمج في الدور لدرجة أنه لما يزقني كنت بحس أني طايرة في الهواء".
ومن المواقف الشهيرة الآخرى التي تدل على أن زكي رستم يندمج في الشخصية التي يقدمها وينفعل بها ويتجاوب معها أنه أثناء تصوير فيلم "الفتوة" أصر أن يدخل "فريد شوقي" ثلاجة الخضار التي حبسه فيها زكي رستم في أحداث الفيلم، وذلك لأن فريد خرج من مكانه في الثلاجة ليتابع الأداء البارع لـ "رستم"، فلم يستطع "زكي" أن يواصل الأداء عندما لمح فريد خارج الثلاجة، فأصر على دخوله حتى يكتسب المشهد الصدق والفاعلية.
برع "رستم" في أدوار الشر، وساعدته ملامحه الحادة على إتقان هذه النوعية من الأدوار، ووصلت درجة إتقانه للشر أن الناس كانت تكرهه بالفعل وأعتقدوا أنه فعلاً شرير.
كما تميز أيضًا في أدوار الباشا الارستقراطي فى العديد من الأفلام منها "صراع في الوادي" و "نهر الحب" و"أين عمري".
ورغم تميزه فى أداء دور الباشا الارستقراطي، إلا أنه جسد أيضًا شخصية الموظف المطحون ببراعة والتي لا تقل عن براعته في تقمص دور ابن البلد أو البلطجي أو تاجر المخدرات أو رجل القانون، ولهذا أطلق عليه النقاد لقب الفنان ذو الألف وجه.
عانى "زكي رستم" في أوائل الستينات من ضعف السمع، وأعتقد في البداية أنه مجرد عارض سيزول مع الأيام، وأنه بحفظه جيداً لدوره وقراءته لشفاه الممثلين أمامه قد يحل المشكلة، ولكن هذا لم يحدث، ففي آخر أفلامه "إجازة صيف" كان قد فقد حاسة السمع تماماً، فكان ينسى جملاً في الحوار أو يرفع صوته بطريقة مسرحية، وعندما كان المخرج يوجهه أو يعطيه ملاحظاته لا يسمعها، مما أحزنه كثيراً، حتى أنه في أحد المرات بكى فى الإستوديو من هذا الموقف.
بعد انتهائه من تصوير الفيلم، هجر زكي رستم السينما والأضواء تماماً، وكان صديقه الوحيد "كلب وولف" يملكه، فكان يصحبه عندما يغادر المنزل لتناول الطعام في أحد مطاعم وسط القاهرة، ثم يعود لعزلته داخل البيت، وقد أصيب في أواخر أيامه بأزمة قلبية دخل على إثرها المستشفى التي مكث فيها أياماً عديدة حتى توفى يوم 15 فبراير عام 1972 عن عمر يناهز 69 عاماً.
